لمّا كنتُ أعمَلُ في المدارس وكُنا نتناقش عن هروب الطلاب من المدرسة وتَحيُّنهم لأي فرصة أو نافذةٍ تُفتَحُ أو بابٍ يُشرّعُ ليخرجوا مسرعين غيرُ آبهينَ بعقوبة ولا بردّة فعل من منسوبي مدارسهم أو ذويهم كانَ أغلبُ المعلمينَ حينَها يكرّرونَ أفكاراً متشابهة تتعلّقُ بإغلاقِ الباب الشرقي أو سدّ النافذة الجنوبيّة وفي أحسنِ الأحوال يأتي أحدُهم بفكرةٍ يظنّها رائدةٌ في هذا المضمار ويقول"كَلّفوا حارساً يحرُسُ الباب أو مُعلمين يتناوبون على مراقبة المنافذ التي منها ينفكّ الطلاب من حصار المدرسة الرهيب" ولا تخرجُ جميعُ الأطروحات عن مَنعٍ وحَظْرٍ وتضييق ..
لم أكُن أستغربُ هذا التشابه في التفكير ولا هذا الاتفاق الطبيعي في الحلول الذي قلّما نراهُ في قضايا هامّة ومصيريّة أكثر إلحاحاً من تسرّب طلاب من مدارسهم،وسببُ هذا الشعور في نفسي أنّني أُلاحظُ في الجوّ العام خارج حجرة الدراسة وفناء المؤسّسة التعليميّة مُماثلةً ومُطابَقةً لما يردّدُه المعلمون الذين هم من أبناء نفس المجتمع ومن إفرازات ذات الثقافة والعادات،فرِجالُ المرور الذين يركبون الدراجات الناريّة البيضاء ويجوبون الشوارع ذهاباً وجَيئة يقترحونَ على رؤسائهم عندَ تكرّرُ وقوع حوادث في طريقٍ ما به تقاطعات أن يضعوا إشارةَ مرور تنظّمُ السّير بألوانها الحمراء والصفراء والخضراء ولو على حسابِ أوقات الناس وظروف أعمالهم وازدحامِ سياراتهم انتظاراً لعطفِ الإشارات المروريّة واخضرارها في وجوههم ..
وإن امتثلَ أهل القرار لهذا الاقتراح وبدأت الإشارة المروريّة في جلدِ انتظار السائقين وحدَثتْ حوادث أخرى نتيجة قطع بعض المتهورين للإشارة الحمراء وعدم مبالاتهم بها لا يخلو الأمر من صاحبِ فكر نيّرٍ يقترح على رئيسه أن يُكلّفَ أحد رجال المرور بالوقوف عندَ "الطّبلون" ـ وهو وحدة التحكّم الكهربائية في الإشارة المرورية ـ ليأخذ زمام المبادرة في تشغيلها يدويّاً بحيثُ يتحكّمُ في المدّة المحدّدة للحَبْسِ أو المُضيّ حسب ازدحام الاتجاهات بالسيارات وفي ذات الوقت يراقبُ المخالفين ويضبطُ تلبسّهم بالجُرم ..
ولا بدّ أن يأتي زمَنٌ على هذا التّقاطع المُحيّر ويقترحُ من يعملُ فيه أو يمرّ به من المقتنعينَ بأنّ المَنْعَ هو أمثلُ الطرق للحدّ من السلبيات ويقول للمسئولين"لا منَاصَ لكمْ سوى أن تأمروا البلديّة بعمل مَطبّاتٍ أسفلتيّة ذات ارتفاعٍ عالٍ وتعرّجٍ صعب تُجبرُ السائقين على تخفيض السرعة قبل الوصول لخطّ المُشاة الذي كانَ في يومٍ من الأيام أبيَضَ اللون خوفاً على سيّاراتهم ونسائهم الحوامل" وبالفعل يقومُ عُمال الشركة المقاولة بتحويل بقايا الأسفلتِ القديم وما يُخلَطُ به من زوائدِ القطِران الجديد إلى جبالٍ تعترض المارّة بحقدٍ شديد يشبه كرهَ اليهودِ للمسلمين ..
ومن المستحيلِ والوضعُ يسيرُ بهذه الطريقة في المبادرات الإغلاقيّة إلا أن ترى بعضَ المدارس في تلك الحقبة الزمنيّة تثبّتُ بقايا الزّجاج المكسور بالإسمنتِ اللزج على أسوارها حتّى يخشى الطلاب السيئينَ من محاولة الهرب والقفزِ من فوق الأسوار لأنهم سيصابونَ بالأذى وقد يُجرحونَ وتسيلُ دماؤهم ويندمونَ على أفعالهم التي أتعبَتْ أهل الأفكار الرائدة،وسترى أيضاً مدرسة أخرى تخلّتْ عن نظريّة الزجاج المكسور إلى نظريّة احترافيّة أخرى تقضي بطلاء أعلى الأسوار بمادّة "الشَّحَم" التي تستخدم في تليين مفاصل الحديد بالسيارات لكي تعلقُ آثاره على ثوب الطالب الذي يتجرأ على تجربة اعتلائها والتفكير في الهروب وبذلك يُضبَطُ بتلك العلامة الفارقة ويلقى من العذاب ما لا يلقاهُ "حرامي في مولد" ..
إذا كانت هذه هي صورة التربية السلوكيّة للفتية الذين لم يبلغوا مبلغَ فهمِ المصالح بعد فكيفَ ستكونُ الصورة إن تعلّقَ الموضوع بهواءٍ يأتي من نافذة البيت حاملاً معهُ غباراً يُكدّرُ خاطرَ ربّة البيت التي يُتعبُها أن تأمرَ الخادمة بتنظيف الطاولات ومسح الأرضيات كلّ يوم فقطعاً ستُصدِرُ قراراً بإغلاقِ النافذة وتُلحقُ بها كلّ نوافذ المنزل لأنّ القاعدة الكلاسيكيّة تقول"البابْ إلّي يجيكْ مِنّوا الرّيح سِدّو واستَريحْ" وحُقَّ لها أن تستريح لأنّها لم تكتفِ بسدّ النوافذ بل سدّتْ منافذَ "زَوَغان" عيني زوجها لغيرها "فغلّقَتْ الأبوابَ" وعطّلَتْ "الريموت كنترول" وأبقَتْ من القنوات الفضائيّة اثنتين إحداهما إخباريّة والثانية تُعني بعالم الحيوان ..
وحينَ نستطرِدُ في مسيرة "أغلِقْ تستريح" نصلُ إلى مَنعِ السفر إلى "تايلند" لأنّ بعضَ الشباب في تلك الأيام الغابرة سافروا وسكِروا وفَجروا وسُرِقوا ونُهبوا وهم في حالة المعصيةِ هذه فجاءَ منعُ السفر إليها من مصلحةِ الذين لا يعرفون مصلحةَ أنفسهم إلا بوصايةِ الإغلاقِ هذه وثقافة المنع تلك،ومن بعد هذا الموّال سننتقلُ إلى إغلاقِ وحَجبِ المواقع بعض المواقع على الأنترنت لأنّ بها قومٌ قد أفصحوا عمّا يُكِنّونَ في صدورهم وإغلاقِ دوراتِ المياه المُلحقةِ بالمساجد ليلاً لأنّ الأطفال وبعض المراهقين يعبثونَ بها وإغلاق أضواء وأنوار قصور الأفراح بعد الساعة الثانية صباحاً إجباراً للناس على عدم الإسراف في السهر والمغالاة في الفرح والإكثار من الصّخب ونَزْعِ مفاتيح أجهزة التّكييف بالصالات والقاعات العامّة خوفاً من كثرة تغيير سرعاتِها ودرَجاتها على أيدي النّاس مِمّا يُعرّضها للأعطال المتكررة ..
ولو استمرّ التفكير التسلسلي يقرّرُ في كلّ مرة يرى فيها أمراً سلبيّاً أن يمنَعَ مصدَرَه لطالَ الإغلاقُ والمنعُ التنفّس والأكل والشرب والمشي والضحك والحياة وتجمّدَ الناس في بيوتهم وقبَعَت الأرواح في أجسادها خائفة من كلّ شيء وحذِرَةً من أيّ شيء،أمّا البحثُ عن طريقةٌ أخرى ووسيلةٍ مغايرة فهو الحلقةُ المفقودة عندَ من يؤمنُ بأنّ التربية هي "المنع" وأنّ التأديبَ هو "الحجْرُ" وأنّ الإدارة هي "الإغلاق" وأنّ الدينَ هو "التّحريم" ولَعمري فإنّ تلك أمّ المصائب ورأسُ المُعضلات في عالمنا العربي بأسره ..
لا يصلُحُ النّاسُ فوضى لا سُراةَ لهم ولا تستقيمُ الدنيا التي هي معاشنا بأسوار الصّين وقِلاع الرّومان وسدّ مأرب وحصون القسطنطينية،وإنما في التوعية والتدريب وتبيين الأسباب وفتح طُرِقِ الخير بمساحةٍ أرحب من طريق الشرّ الواسع هو ما نحتاجُه ويحتاجُنا وهو ما نشتاقُ إليه ولا يعرفُ إلينا سبيلاً حتى بعدَ أن خارَتْ قوى المُمانعين وضعُفَت قبضةُ المُغلِقين ..
أعتقدُ أنّنا لو كشفنا الحقائق وأعطينا لتوصيل المعلومات حقه من الجهد والعناء والبذل لاستغنينا بالنصيحة عن "الأقفال" ولاستعضنا عن "السّدود" بالاحتواء ولاستبدلنا "الحواجز" بالتدريب "وموانع الحمل" بقوانين الطبيعة وفطرة الإنسان ولوجدنا في حدود ربّ العالمين التي يحرُمُ تعدّيها اكتفاءً ذاتيّاً لم يُطلَبْ منا الزيادة عليه بتشريعاتٍ وقوانين رماديّة ما أنزل الله بها من سُلطان ..
Tags:
Share
You need to be a member of Saudi Bloggers to add comments!
Join this Ning Network