مقال جميل للكاتبة (إيمان القويفلي) يتحدث بموضوعية عن موقف المثقف العربي تجاة مجزرة غزة.
المثقف الذي فسر المذبحة
"حماس لا تذل لأحد من البشر، ولا تنكسر أمام المجازر. أسلحة العدو ستتحطم على صخرة صمود الشعب الفلسطيني. هذا هو أوان الصبر والتحمل. وأهل غزة اختاروا خيار المقاومة". رغم أن خطاباً من هذا النوع يثير تقزز العقلانية والواقعية السياسية العربية، إلا أن ثمة معنى مضمراً في خطاب حماس يبدو مُضمراً أيضاً في جزء من خطابها هذه الأيام، والمعنى ذاته يبدو قبل ذلك كله متجذراً في العقل العربي، بحيث تصدر عنه، عن هذا العقل، أشكال من الخطاب متعارضة كلياً أو جزئياً، عقلانية أو واقعية أو قومية أو إخوانية، إلا أنها تتشارك في إضمارها هذا المعنى من حيث أرادت أن تثور عليه أو تبرئ نفسها منه، ألا وهو استرخاص الإنسان، كله، آدميته وحياته ومماته.
كان متوقعاً أن يكون الخطاب الحمساوي تحت القصف اجتراراً لخطاب "البطل العربي" الشاعريّ التقليدي، الذي يؤكّد على بطولته في أعين الجماهير بقدر ما يؤكّد على قبوله التام بوقوع أبناء شعبه ضحايا، وعلى شجاعته عبر الإصرار على أنه لا يتأثر بالفوارق الفاحشة بين ما يفعله ويُفعل به، كان خطاباً متوقعاً، فهذه سمة ثقافية غير خاصة بحماس وحدها. لكن اللافت هو أن ما كان مفترضاً في الخطاب المثقف النخبوي الذي يضع نفسه على الضد من هذه "اللاعقلانية" العربية العريقة، هو أن يُبرهن على أن عقلانيته تغاير هذا السياق الـمُمتهِن للإنسان، وهذا هو الافتراض الذي لم يصدق. التغطيات والمقالات التي تزايدت خلال الأسبوعين الماضيين وهي تقصد أن تكون عقلانية وواقعية كان أقصى ما استطاعت التعبير عنه هو وضع قيمة الحياة الإنسانية ثانياً في الأهمية بعد الموقف السياسي والحسابات السياسية. في هذه المجموعة من المقالات وظّفت "رُغم" في مطلع المقالة في تشابه لافت. نوع من الكتابة بـ"رغم" كل شيء. "رغم أسفي من أجل الضحايا المدنيين"، "رغم ألمي"، "رغم المأساة"، ثم تنعطف على أية حال نحو الانشغال بالتحليل السياسي على أنواعه، لأن الهدف من الكتابة ليس شيئاً آخر سوى التوصل إلى إدانة حماس، وبعضها إلى القول صراحة "إنه ما تستحقون، وعلى نفسها جَنَت حماس". ترجمة عربية رديئة للموقف العقلاني، أما مُنجزها أمام المأساة الإنسانية فهو إنتاج مادة صحفية تعزز استرخاص الإنسان وآدميته في سياق الثقافة العربية؛ تماماً من حيث حسبت أنها تخرج عنه. ما أرادت فعله هو أن تقدّم موقفها مما يجري كموقف "حرص على مصلحة الإنسان العربي"، أما ما فعلته حقاً فهو أنها قامت بتفسير الـمَقتلة، تسويغها صراحة في بعض الكتابات، ووضع السياسة والتفصيل السياسي والموقف السياسي قبل الإنسان وفوقه وأهمّ منه. وهذا ليس عن كتابة بعينها بل عن توجّه عام ٍ وهذا هو ما يجعل الأمر مهماً. إذا استطعنا أن نقبل بتقديم الموقف السياسي في حالة غزة على الأرواح، فسنعثر في أية مذبحة في العالم على مسألة ما نقدّمها على أرواح ضحاياها. لكننا تعاطفنا مع ضحايا مومباي دون تردد، مومباي البعيدة، واستفزّنا الهيجان الجماعي السعيد بـ"غزوة منهاتن" لنُشهر تعاطفنا مع ضحاياها بشكلٍ أكبر، وعندما تأتي المذبحة إلى غزة فإننا نأخذ وقتا لنفكر إن كانت الضحايا تستحق التعاطف أم لا، وقد يكون الجواب النهائي "لا". الأمر الخطير أن يكون المثقف العربي مستعدّاً لاحترام إنسانية أي إنسان ما لم يكن عربياً. أن يستبطن نفس اللاعقلانية العُنفية ونزعة جلد الذات واسترخاصها، والأخطر أن يترك موقعه كمدافع عن الحقيقة الغائبة وأن ينشغل بإعادة تصدير آفات ثقافته التقليدية وإن منحها اسماً جديداً. لا يتّضح الفرق إلا عند مطالعة بعض الصحف الغربية، حيث الضحايا المدنيّون يأتون أولاً ويؤثّر سقوطهم كثيراً، لأن الوعي بالتفصيل السياسي لا يعني الاستغراق فيه، ولا استخدامه لتسويغ الـمَذابح، ولأن "الموقف السياسي لا يجب أن يضيع البوصلة"، كما كتبت ديانا مقلد في مقالة جميلة الخميس الماضي بـ"الشرق الأوسط"، وأضافت أيضاً "إنه تكرار ممجوج لخطأ ارتُكِبَ خلال حرب يوليو 2006". أؤمّن على هذا وقد تعلمت درساً من خطئي الشخصي. يبدأ القصف فنتلقى المشهد بإشكالات الوعي السياسي المجرّد، ثم تتدحرج كرة الثلج ونكتشف متأخرين أننا كنا نحاول تفسير مجزرة. شيء مخجل أن يجد الكاتب نفسه مشغولاً بتفسير المجزرة. وكان كافياً المرور بهذه التجربة المؤلمة مرة واحدة. إلى أيّ درجة يقترب التفسير من التسويغ؟ إلى أي درجة اقترب معلـّـق سياسي من تسويغ "غزوة منهاتن" وهو يُفسّر كيف استجلبها الأمريكيون على أنفسهم؟ متى يمارس التفسير؟ أثناء المذبحة أم بعدها؟ في مثل هذه المواقف الإنسان وإنسانيته أولاً، وكل شيء آخر يمكنه أن يتأخر ليأتي في المركز الثاني.
لِنُسمّه "جذر الإنسان الرخيص" في الثقافة العربية، وفروعه مفتوحة في كل مكان وبضاعته رائجة. السياسي يصادر صوت المواطنين، ثم يقمعهم، ثم يتدرّع بهم في حروبه. المواطنون مولعون بتمجيد القائد الذي لا يتزحزح ولا يتراجع وهم يدفعون الثمن. يخوضون حروبه ويجلدون ذواتهم عند هزيمته. يجمعون التبرعات حتى عندما لا تكون المشكلة هي المال، ويرفضون التبرّع للمحتاجين عندما لا تعجبهم ثقافتهم. يعيشون حياة سيئة جداً دون اعتراض، لكنهم يشعرون بالكرامة عندما تقع المذابح للآخرين. رخيصون عند سياسيّهم، وعسكريّهم، وعند أنفسهم، والأكثر أسفاً أن يكونوا رخيصين عند مثقفهم، الصفوة، النخبة، الذي يحمل فرعاً من نفس الجذر، وإن أعطى للبضاعة القديمة علامة تجارية أخرى.
You need to be a member of Saudi Bloggers to add comments!
Join this social network